الآلوسي
269
تفسير الآلوسي
إثباته ، وقوله تعالى : * ( نغفر لكم خطاياكم سنزيد المحسنين ) * ( الأعراف : 161 ) موعد بشيئين - بالغفران والزيادة ، وطرح - الواو - لا يخل لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل : ماذا بعد الغفران ؟ فقيل له : * ( سنزيد المحسنين ) * وكذلك زيادة * ( منهم ) * زيادة بيان و * ( فأرسلنا ) * ( الأعراف : 162 ) و * ( أنزلنا ) * ( البقرة : 57 ، الأعراف : 160 ) و * ( يظلمون ) * ( البقرة : 57 ، الأعراف : 162 ) و * ( يفسقون ) * ( البقرة : 59 ) من دار واحد ، انتهى . وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء ، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى ، والقرآن الكريم مملوء من ذلك ، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني ، والله يؤتي فضله من يشاء ، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو . ومن باب الإشارة في الآيات : * ( وإذ قلتم ) * لموسى القلب * ( لن نؤمن ) * الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان - * ( فأخذتكم ) * صاعقة الموت - الذي هو الفناء في التجلي الذاتي - وأنتم تراقبون أو تشاهدون - * ( ثم بعثناكم ) * بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله عز وجل ، - * ( وظللنا عليكم ) * غمام تجلي الصفات - لكونها حجب الذات المحرقة سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره . * ( وأنزلنا عليكم ) * من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإذهاب رذائل أخلاق النفس ، كالتوكل والرضا وسلوى الحكم والمعارف والعلوم الحقيقية التي يحشرها عليكم ريح الرحمة ، والنفحات الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها ، فتسلون بذلك ( السلوى ) وتنسون من لذائذ الدنيا كل ما يشتهى * ( كلوا ) * أي تناولوا وتلقوا هذه الطيبات التي رزقتموها حسب استعدادكم ، وأعطيتموها على ما وعد لكم * ( وما ظلمونا ) * أي ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا باحتجابهم بصفات أنفسهم ، ولكن كانوا ناقصين حقوق أنفسهم بحرمانها وخسرانها ، وهذا هو الخسران المبين . * ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ) * أي المحل المقدس الذي هو مقام المشاهدة * ( وادخلوا الباب ) * الذي هو الرضا بالقضاء ، فهو باب الله تعالى الأعظم * ( سجداً ) * منحنين خاضعين لما يرد عليكم من التجليات ، واطلبوا أن يحط الله تعالى عنكم ذنوب صفاتكم وأخلاقكم وأفعالكم ، فإن فعلتم ذلك * ( نغفر لكم خطاياكم ) * " فمن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً . ومن تقرب إليّ ذراعاً ، تقربت إليه باعاً . ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " * ( وسنزيد المحسنين ) * أي المشاهدين " ما لا عين رأيت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر " وهل ذلك إلا الكشف التام عن الذات الأقدس . * ( فبدل الذين ظلموا ) * أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها * ( قولاً غير الذي قيل لهم ) * ابتغاءاً للحظوظ الفانية والشهوات الدنية . * ( فأنزلنا ) * ( البقرة : 54 - 59 ) على الظالمين خاصة ، عذاباً وظلمة وضيقاً في سجن الطبيعة ، وإسراً في وثاق التمني ، وقيد الهوى ، وحرماناً ، وذلاً بمحبة الماديات السفلية ، والإعراض عن هاتيك التجليات العلية ، وذلك من جهة قهر سماء الروح ، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى - كما ورد في الأثر - " إستفت قلبك وإن أفتاك المفتون " إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء . وهذا هو البلاء العظيم ، والخطب الجسيم . من كان يرغب في السلامة فليكن * أبداً من الحدق المراض عياذه لا تخدعنك بالفتور فإنه * نظر يضر بقلبك استلذاذه إياك من طمع المنى فعزيزه * كذليله ، وغنيه شحاذه * ( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ واشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الاَْرْضِ مُفْسِدِينَ ) * * ( وَإذ اسْتَسْقَى مُوسَى لقَوْمه ) * تذكير لنعمة عظيمة كفروا بها - وكان ذلك في التيه لما عطشوا - ففي